دور الهوية الوطنية في تعزيز الأمن بالعراق

دور الهوية الوطنية في تعزيز الأمن بالعراق
دور الهوية الوطنية في تعزيز الأمن بالعراق

عبد الحليم الرهيمي

يحظى مفهوم أو تعبير الهوية الوطنية كشعور جمعي وموقف عام شبه موحد للمجتمع العراقي ازاء القضايا الوطنية الكبرى، كقضايا السيادة والاستقلال وبناء العراق وازدهاره، باهتمام النخب السياسية والفكرية العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية العام 1921. ولعل الوثيقة – المذكرة التي قدمها الملك فيصل الاول الى المسؤولين واركان الدولة آنذاك

قبل وفاته في عام 1933، والتي عبر فيها عن رؤيته بصعوبة تحقيق وحدة المجتمع العراقي بإيجاد هوية وطنية جامعة في ظل الانقسام العرقي والمذهبي والديني والقبلي – العشائري والمناطقي المتسم بالتناقض والنزاعات، قد عبرت تلك الوثيقة وبشكل مبكر عن الاهتمام بقضية الهوية الوطنية والسعي لانجازها كهدف يحقق وحدة المجتمع.

وخلال المئة عام تقريباً التي تفصلنا عن ذلك التاريخ وبداية الاهتمام بصياغة هوية وطنية موحدة للمجتمع العراقي، يبدو واضحاً الآن ان ما اشار اليه الملك فيصل الاول ما زال قائماً وبمختلف التعبيرات حيث الهويات الفرعية العرقية – القومية الطائفية، المذهبية، الدينية، العشائرية، المناطقية، والتيارات السياسية تطغى بشكل مروع على وجود هوية وطنية جامعة، بل ربما تعزز هذا الانقسام الان اكثر مما في المراحل الماضية!.

واذا كان هذا التنوع والانقسام في مكونات المجتمع وطغيان هوياته الفرعية على الهوية الوطنية العامة يمثل حالة سلبية، فإن تحويل هذا الانقسام الى تعددية وتنوع ايجابي لا يمكن تحقيقه الا في ظل هوية وطنية جامعة تطغى او تتقدم على الهويات الفرعية دون ان تلغيها انما تدفعها لتكون جزءا منها وتثري مضمونها بثقافاتها المتعددة.

وفي ضوء ذلك يمكن القول أن وجود أو تحقيق الهوية الوطنية التي توحد مواقف المجتمع بمختلف مكوناته التي تمثل التعددية الايجابية سيقوي من مواقف الدولة والمجتمع في آن واحد تجاه القضايا الوطنية وتجاه الاخطار الداخلية والخارجية بما يساعد في تقدم وازدهار العراق وبما يساعد ايضاً في تعزيز الامن الوطني والاستقرار.

من هنا كانت اسباب ودوافع اهتمام النخب السياسية والفكرية بالهوية الوطنية ونقدها لطغيان الهويات الفرعية عليها، ومن هنا ايضاً جاء التعبير عن اهتمام (ستراتيجية الامن الوطني العراقي) في التأكيد على اهمية ودور الهوية الوطنية في تعزيز وتوطيد الامن في العراق والتأكيد، في المقابل، على ان (ضعف الهوية الوطنية والتخندق الطائفي والقومي) يمثل أحد المخاطر التي تهدد الأمن الوطني التي يجب معالجتها راهناً ومستقبلاً.

لقد أشارت تلك الستراتيجية الى ان ظاهرة نمو الهويات الثانوية او الفرعية (الطائفية، العرقية والدينية) على حساب الهوية الوطنية لا سيما في المجتمعات متعددة المكونات، كما في العراق، خلال المرحلة الانتقالية، من نظام سياسي شمولي الى نظام ديمقراطي، هي ظاهرة معروفة لكنها خطيرة حيث تؤدي الى انحراف الديمقراطية عن مسارها الصحيح وتؤدي ايضاً الى الاستقطاب والانقسام المجتمعي وتهدد وحدة البلاد والسلم الاهلي.

لذلك فان الاخطار الناجمة عن ضعف الهوية الوطنية تتطلب، كما تشيرالستراتيجية، العمل على تعزيز الهوية الوطنية وقيم المواطنة لدى افراد المجتمع.

ان هذه الاهمية التي ينطوي عليها السعي لتحقيق الهوية الوطنية لدورها المهم في تعزيز الامن الوطني كأحد ابرز القضايا الوطنية التي تواجه العراق الان وفي المستقبل تتطلب، بل وتوجب، على النخب الفكرية والسياسية ومراكز الابحاث والدراسات الحكومية والمستقلة، البحث في افضل السبل والاعمال التي تساعد في تعزيز الهوية الوطنية من خلال تعزيز ايمان المجتمع بأهميتها في تحقيق الأمن والاستقرار، وفي منع الانقسامات والخلافات الحادة بين افراد المجتمع ومكوناته وبما يساعد ايضاً في تكوين رؤى ومواقف موحدة ازاء القضايا الوطنية الكبرى رغم تعدد الاجتهادات حولها لكن في ظل الهوية الوطنية الموحدة.

وبالطبع فان قاعدة الانطلاق لتحقيق الهوية الوطنية هي ان لا تتأسس أو تقوم على اساس القمع او الالزام بها بشكل متسرع أو بالقوة والقهر، انما بالتفاهم والحوار والاقناع من جهة، وفي ابداء التفهم والقبول لخصوصية كل مكون عرقي او مذهبي او ديني واحترام هذه الخصوصية والاخذ بمشتركاتها مع مشتركات الهوية الوطنية من جهة اخرى، وذلك مقابل قيام الهويات الفرعية من خفض سقف مطالبها أو تشددها، بما يساعد على الاندماج بالهوية الوطنية.

لذلك لا بد من توفير شروط ومستلزمات تحقيق الهوية الوطنية من خلال تشجيع واقناع الهويات الفرعية او الثانوية للانضمام تحت راية الهوية الوطنية دون الغاء او انتقاص من خصوصياتها وثقافاتها التي تميزها حيث يمكن من خلال ذلك توفير مستلزمات الوصول الى تحقيق هوية وطنية جامعة لكل العراقيين بمختلف مكوناتهم وهوياتهم الفرعية، وسيكون تعزيز الامن الوطني في العراق أحد أبرز الادوار المهمة للهوية الوطنية.