تقرير..عبور دجلة إلى الموصل القديمة التي أنهكت الحرب بشرها وحجرها

تقرير..عبور دجلة إلى الموصل القديمة التي أنهكت الحرب بشرها وحجرها
تقرير..عبور دجلة إلى الموصل القديمة التي أنهكت الحرب بشرها وحجرها

بغداد/متابعة البغدادية نيوز..لم يكن دخول الموصل بعد تحريرها من “داعش” كما في أفلام هوليوود على وقع طبول الفرح وعودة الحياة إلى مجاريها بطرفة عين واحدة.

فبعد استكمال سلسلة من الموافقات والإجراءات الأمنية، بدأت الرحلة باتجاه محافظة نينوى، التي تبعد عن مدينة أربيل نحو 85 كيلومتراً فقط، إلا أنها الأطول على الإطلاق بالنسبة للمدنيين النازحين من شراسة القتال الذي لا يزال دائراً غرب الموصل، على الرغم من إعلان تحريرها قبل يومين.

جسر النصر

“الجسر مغلق، لا أحد يمر” هكذا قال الجندي المسؤول عن تأمين جسر “النصر” الرابط بين شقي مدينة الموصل، شرقها وغربها، أو كما يقول الموصليون: الساحل الأيسر، والساحل الأيمن.

وقف المئات من نازحي الموصل بانتظار فتح الجسر لإعادتهم إلى منازلهم في أنحاء غرب الموصل، منهم من يحاول الوصول إلى منزله في المدينة القديمة للمرة الأولى منذ أن بدأت معارك تحريرها قبل 20 يوماً تقريباً.

الجسر كان مغلقاً للصيانة، بحسب ما ذكره مصدر عسكري قريب من الموقع، ورفض ذكر اسمه، مضيفاً: “رفضنا مرور مراسلين كثر، أعدنا بعضهم للساحل الأيسر، لا مرور اليوم”.

“أطلال” البيوت أحن إلينا من حياة النزوح

كان النازحون يصطفون لساعات من الصباح وحتى الظهيرة، بينهم كانت “ليلى”، البالغة من العمر 13 عاماً، تعيش في حي الميدان الذي حررته القوات العراقية منذ أيام فقط، لكن عشرات من عناصر “داعش” الإرهابي لا يزالون متواجدين فيه حتى الآن.

قالت ليلى أثناء انتظارها فتح جسر النصر للعودة لمنزلها مع أسرتها: “هذه المرة الأولى التي سأرى فيها بيتنا منذ خرجت منه في منتصف شهر رمضان الماضي 10 حزيران/يونيو الماضي..أمي سبقتني وشافت البيت، أو بقايا البيت، فأنقاضه لا زالت موجودة”.

تقول أم ليلى — رفضت ذكر اسمها- إن”منزلها وهو في بناية من 3 طوابق، في حي الميدان تعرض، بعد هروبهم من المعارك التي اندلعت، إلى تفجير عدد من السيارات المفخخة”، مؤكدة: “رجعت من كم يوم تقريبا لبيتنا، أهون أن نعيش وسط الحرب ولا إننا نشحت قوتنا وقوت ولادنا، لاقيت البيت مدمر بالكامل، وأمامه سيارات متفحمة بالكامل”.

أشارت ليلى إلى أن “عناصر من تنظيم “داعش أعطوا الأهالي القاطنين في الشارع مهلة 10 دقائق للهروب، قبل تفجير السيارات الملغمة”. وتابعت: “كلنا حريم ورجال وأطفال طلعنا بالملابس اللي علينا نركض ناحية الجيش والقوات الأمنية، وبعد دقائق بس سمعنا انفجارات هائلة، فعرفنا إن بيوتنا ومالنا وحالنا كله تفجر”.

النزوح في الأيسر… هل من جار يُجير؟

تقول “س. ر” من سكان حي الآبار، أيمن الموصل (غرب)، إنه حالفها الحظ وهربت من الحي مع بدء معركة تحريره قبل شهرين تقريباً، موضحة: “الحمد لله نحن خرجنا من الحي هاربين بالليل، بعد يومين من بداية تحرير الحي، قررت أنا وجاراتي السيدات وأولادنا نطلع، “الدواعش” كانوا سيقتلوننا، إذا ما انهزموا ونحن في بيوتنا”.

أحب معلمتي جداً

لم يدخل معظم التلاميذ في أحياء أيمن الموصل أي مدارس خلال السنوات الثلاث الماضية، كان بعضهم يصطف مع ذويه بانتظار فتح الجسر في طريقة عودته من أداء أول اختباراته المدرسية، منذ سيطر “داعش” على الموصل في حزيران/يونيو 2014.

وقال محمد، الطالب بالصف الرابع الابتدائي:

“أنا كنت أحب معلمتي جداً، وبعد ما سيطر الدواعش على الحي الذي نسكنه في أيمن الموصل، منعوا المعلمات من التدريس في مدارس الصبيان”.

“لم أتعلم أي شيء خلال السنوات الثلاث الماضية، سوى أن طلقة زائد طلقة تساوي طلقتين”، هكذا وصف محمد، البالغ من العمر 9 سنوات، ما تعلمه خلال أسبوع واحد في مدرسته بعد سيطرة التنظيم على المدينة.

وعن أسباب منع الأطفال من الدراسة في مدارس التنظيم، تقول والدة محمد: “منعنا بناتنا وأولادنا من الذهاب لمدارس الدواعش، أنا ابني دخل كتاب مدرسي في الصف الخامس الابتدائي، مكتوب فيه كيفية تصنيع القنابل والمفرقعات”.

وقال عدد من السيدات اللائي ذهبن مع أبنائهن لأداء امتحان النقل إن “العفو الوزاري عن السنوات الثلاث الفائتة قرار ممتاز، ولكن نريد أن تبذل الوزارة قصارى جهدها لتعويض الأطفال ما فاتهم من دراسة”.

وحيث بدا أن الأهالي فقدوا الأمل بمستقبل مشرق لأولادهم في بلادهم، يصبح الهدف من تعليم أطفالهم هو زيادة فرصة قدرتهم على الهجرة.

وتقول والدة فاتن: “الآن عدنا من امتحان نقل ابنتي من الصف الرابع للسابع، لكن الأهم أني أريدها أن تتعلم اللغة الإنجليزية، لتهاجر من العراق، ما يحدث في بلدنا لا يبشر بمستقبل لأولادنا، بيوتنا دمرت بالكامل في حي الزنجيلي، ولا زالت الخلايا النائمة في الحي، تقتل وتفجر القنابل والمفخخات، حتى الآن”.

حال النسوة تحت نير داعش

كانت النساء يعانين تحت حكم “داعش”، حسب ما تقوله الشابة “ر. ي” البالغة من العمر 27 عاماً، قائلة:

“ألزمونا ارتداء النقاب وتغطية كامل وجوهنا وحتى العينين، وكانت الداعشيات لنا بالمرصاد في الشوارع”.

وأضافت أن التنظيم “خصص كتيبة سيدات تابعة لديوان الحسبة لتحصيل غرامات من أي واحدة تسير في الشارع بملابس مخالفة لما فرضوه، أو تظهر عينيها بس”.

وفي حين فرض التنظيم ارتداء النقاب على سيدات الموصل، كان الجيش والقوات الأمنية يحظره تمام، وبين فرض النقاب ومنعه، يصبح “السجن المنزلي” كل المتاح لهن.

ووفقاً لما تقوله “ر. ي”، فإنه “مع بدء المعارك في حي الآبار، كان الدواعش لا زالوا يجبروننا على ارتداء النقاب، ولما هربنا المرة الأولى خارج الحي أجبرنا الجيش على خلعه، في البداية لما عدنا إلى منازلنا بعد إعلان تحرير الحي كانت الخلايا النائمة للتنظيم لا تزال موجودة، وكان يهددونا لو طلعنا من بيوتنا دون الزي الشرعي كما يقولون، فكانت كثير من جاراتي محبوسات في بيوتهن لشهرين تقريباً حتى اكتمل تطهير المنطقة”.

الذبح أسهل أحكام “داعش”

تقول السيدة “هـ. ف”، وهو اسم مستعار لها، إنها من حي الشفاء، بالقرب من المستشفى العام، وكان أحد أقربائها حارس محطة كهرباء بالموصل، أعدمه التنظيم قبل 6 أشهر تقريباً، قائلة: “زوج بنت أختي كان في حراسة محطة كهرباء بعيدة عن المدينة، وكان يبيت في عمله، ولا نراه إلا كل فترة، علمنا في شهر كانون الثاني/يناير الماضي أن عناصر التنظيم قطعوا رقبته لأنه تلفظ بسب الدين احتجاجاً على سرقتهم لبنزين مولدات الكهرباء”.

وأوضح “هـ. ف” أن”زوجته علمت هذا الأمر من أحد زملاء زوجها الذي ذبحه التنظيم، متابعة: “نحن أناس متدينون بطبيعة الحال، لا نقبل بسب الدين وهذه الألفاظ، لكن الرجل انفعل في حالة غضب بعد سرقة عناصر التنظيم لخزانات الوقود الموجودة في المحطة، فقال كلمة ندم عليها، لكنهم لم يسامحوه، وعلمنا من بعض زملائه أنهم وضعوا رأسه على خشبة مثل القصابة وأطاروا رقبته بضربة سيف”.

عبور دجلة

بعد ساعتين تقريباً، سُمح بعبورنا الجسر العائم باتجاه الجانب الأيمن للموصل، وسط تشديدات أمنية من قوات الحشد الشعبي والفرقة التاسعة التابعة له، وقبله بدقيقتين يقبع مبنى فندق نينوى المطل على نهر دجلة، أكبر فنادق الموصل قبل استيلاء التنظيم الإرهابي عليها، وقد أنهكت الرصاصات والتفجيرات مبناه.

لم يستغرق عبورنا للجسر فوق نهر دجلة سوى أقل من 5 دقائق، فيما كان يسير على جانبيه مقاتلو الحشد الشعبي باتجاه الجانب الآخر، الذي بدى للوهلة الأولى مدمراً بشكل كبير.

طريق ترابية تصل من الجسر حتى أول نقطة تفتيش — سيطرة — تابعة للحشد الشعبي بالجانب الأيمن، خلفها يقع مبنى ضخم كالقلعة القديمة، دمرت أكثر أجزائها إثر القصف والقتال، واستُبدل علم دولة الخلافة الأسود بالعلم العراقي.

على جانبي الطريق إلى قلب مدينة الموصل غرب النهر، كانت كل البيوت والمباني مدمرة بشكل جزئي أو كلي، لم ينجُ مبنى واحد من آثار الضربات، أو الرصاصات، طريق طويلة تلك التي شقتها القوات العراقية لتخليص هذه المدينة من براثن تنظيم “داعش”.انتهى21/ي