“مكنسة” العبادي

“مكنسة” العبادي
“مكنسة” العبادي

علي حسين

يمضي بعض عشاق مواقع التواصل الاجتماعي نهارهم وجزء كبير من الليل ، في حوار ساخن حول صورة الوليد بن طلال، وهل صحيح انه ينام على الارض، ويضربون الأخماس بالاسداس يحسبون حجم ثروات الذين اعتقلتهم السعودية، وهل ستصادر اموالهم، فيما آخرون يتساءلون هل سيعود رفيق الحريري الى بيروت ؟ وهناك من وجد الوقت والفراغ ليتغنى بالتعديلات ” الداعشية ” على قانون الاحوال الشخصية، أرجو ألا يظن أحد أنني أحاول أن اسخر من توجهات البعض وهواياتهم، لكنني أحاول القول إن لا شيء يحمي الدول من الخراب سوى مواطنيين صادقين، في العمل وفي الاعتراف بالتقصير لانهم صفقوا لـ ” فلان ” الفاسد، وصمتوا على “علان” الحرامي.

بالامس رأى العالم رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي وهو يمسك ” مكنسة ” ينظف فيها احدى الطرق، البعض صفق متحمساً واعتبر الصورة دليلا على سعي العبادي لكنس المفسدين، والبعض سخر من رئيس وزراء خلع سترته وانهمك في اداء مهمة يمكن ان يقوم بها موظف في البلدية.

قبل شهور عدة خرج آلاف الهنود الى الشوارع وهم يخطون على ملابسهم عبارة “أنا إنسان عادي” وهي كلمات كان غاندي قد اطلقها في وجه تشرشل.. العبارة التي عادت بقوة الى الشارع الهندي كان الهدف من احيائها هو محاربة الفساد، المدهش في الأمر ان هؤلاء الشباب اتخذوا من المكنسة شعارا لحملتهم التي تهدف الى كنس المفسدين والسراق ونهازي الفرص.

لا أعتقد أن هناك من يمل من الحديث عن سيرة الرجل الهندي النحيف الذي قال لأعدائه ذات يوم:” لقد عرفت القانون وجربته فنجح اعظم نجاح، ذلكم هو المحبة وبها ستتحرر الهند”.
اختصرها غاندي الذي كان يرفض أن يخدع الناس: “إني أوثر الانتظار أجيالا وأجيالا، على أن ألتمس حرية شعبي بالخطب الزائفة والزاعقة”.

دخل حيدر العبادي مكتب رئيس الوزراء قبل ثلاثة اعوام، يوم وصل، وعد العراقيين بكل خيرات العراق، ورفع شعار الإصلاح الذي سمعنا من خلاله عبارات وردية وبراقة، لكن للاسف تحول الاصلاح الى خطابات وهتافات اطلقتها جبهة الاصلاح البرلمانية، التي لم تكن تدرك ولا تعرف أنّ الإصلاح ليس خطبة تلقيها عالية نصيف، ولا أُنشودة يرددها محمد الكربولي، انه شجاعة في المقام الاول، وهو فرض وليس دموعاً يذرفها حاكم الزاملي، الاصلاح لا يأتي من هتافات عباس البياتي، بل من قوانين وتشريعات تؤسس لدولة مدنية.

ما أحوجنا اليوم الى مسؤول يرفع المكنسة شعاراً فعلياً، ويواصل إرثاً ثقافياً بغدادياً بدأه قبل سبعة عقود شيخ الساخرين “ميخائيل تيسي” الذي أصدر أول صحيفة عراقية فكاهية أسماها “كناس الشوارع” أراد من خلالها انتقاد العادات والنواقص في الناس والمجتمع، فاختار لها المكنسة التي لم تجلب له في النهاية سوى المصائب بعد أن وجد نفسه ذات ليلة محاصراً بالعصي والسكاكين ليقرر على أثرها رمي المكنسة في نهر دجلة، عسى ان نرمي في دهاليز النسيان، ساسة يعتقدون ان كراسي السلطة إرث في الحياة والممات، وعسى ان يدرك العبادي ان مكنسته يجب ان تطال اولاً البيوت القريبة من مكتب رئيس الوزراء، لان المطلوب اولا نظافة المنطقة الخضراء، قبل ان ننظف شوارع العراق.